قالَ الرَبُّ يَسوع: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ.
وبَدَأَ يُحَاسِبُهُم، فَأُحْضِرَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ لَهُ بِسِتِّينَ مَلْيُونَ دِيْنَار.
وإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي بِهِ دَيْنَهُ، أَمَرَ سَيِّدُهُ بِأَنْ يُبَاعَ هُوَ وزَوْجَتُهُ وأَوْلادُهُ وكُلُّ مَا يَمْلِكُ لِيُوفِيَ الدَّيْن.
فَوَقَعَ ذلِكَ العَبْدُ سَاجِدًا لَهُ وقَال: أَمْهِلْنِي، يَا سَيِّدِي، وأَنَا أُوفِيكَ الدَّيْنَ كُلَّهُ.
فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ العَبْدِ وأَطْلَقَهُ وأَعْفَاهُ مِنَ الدَّيْن.
وخَرَجَ ذلِكَ العَبْدُ فَوَجَدَ وَاحِدًا مِنْ رِفَاقِهِ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِيْنَار، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وأَخَذَ يَخْنُقُهُ قَائِلاً: أَوْفِنِي كُلَّ مَا لِي عَلَيْك.
فَوَقَعَ رَفِيْقُهُ عَلى رِجْلَيْهِ يَتَوَسَّلُ إِليْهِ ويَقُول: أَمْهِلْنِي، وأَنَا أُوفِيْك.
فَأَبَى ومَضَى بِهِ وطَرَحَهُ في السِّجْن، حَتَّى يُوفِيَ دَيْنَهُ.
ورَأَى رِفَاقُهُ مَا جَرَى فَحَزِنُوا حُزْنًا شَدِيْدًا، وذَهَبُوا فَأَخْبَرُوا سَيِّدَهُم بِكُلِّ مَا جَرى.
حِينَئِذٍ دَعَاهُ سَيِّدُهُ وقَالَ لَهُ: أَيُّهَا العَبْدُ الشِّرِّير، لَقَدْ أَعْفَيْتُكَ مِنْ كُلِّ ذلِكَ الدَّيْن، لأَنَّكَ تَوَسَّلْتَ إِليَّ.
أَمَا كَانَ عَلَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا أَنْ تَرْحَمَ رَفيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنا؟!
وغَضِبَ سَيِّدُهُ فَسَلَّمَهُ إِلى الجَلاَّدين، حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا عَلَيْه.
هكَذَا يَفْعَلُ بِكُم أَيْضًا أَبي السَّمَاوِيّ، إِنْ لَمْ تَغْفِرُوا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُم لأَخِيْه، مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُم».
الرّسالة العامّة: الغنيُّ بالمراحم (Dives in Misericordia)، العدد 14
لقد شدّد الرّب يسوع المسيح كل التشديد على ضرورة المغفرة للآخرين، بحيث أنه، عندما سأله بطرس كم مرة عليه أن يغفر لقريبه خطيئته، أجاب بعدد رمزي: "لا أَقولُ لكَ: سَبعَ مرَّات، بل سَبعينَ مَرَّةً سَبعَ مَرَّات"، مُشيرا بذلك إلى ما يجب أن يجد في نفسه من القوة على المغفرة لكل من الناس وفي كل وقت. بيد أنّه لأمرٌ واضح ٌإن الوصيَّة السّمحاء بالمغفرة لا تقضي على مستلزمات العدالة الحق؛ ذلك أن العدالة في مفهومها الصحيح، تشكّل، إذا جاز التعبير، غاية المغفرة. وما من موضع في الإنجيل يُقال فيه أن المغفرة – الّتي تنبع من الرحمة – تعني التّغاضي عن الشر... لأن التفكير عن الشر والشكوك والتعويض عن الإساءة والاهانة شرط للغفران...وهكذا، فإنّه باستطاعة الرّحمة أن تعطي العدالة معنى جديدا يتجلّى تماما وببساطة في المغفرة، لأن المغفرة تظهر أنه ما عدا مفهوم "التعويض" "والهدنة" الخاص بالعدالة، لا غنى عن اللجوء إلى المحبة ليثبت الإنسان أنه إنسان. ولا بدّ من أن تتوفّر شروط العدالة، لكي تكشف المحبة عن وجهها المشرق... وترى الكنيسة بحق أن من واجبها، وأن الغاية من مهمتها، المحافظة على طابع المغفرة الأصيل، سواء أكان في الحياة والمسلك، أم في التربية والعمل الرعوي.
#شربل سكران بالله