وفي الشَّهْرِ السَّادِس (بعد بشارة زكريّا)، أُرْسِلَ المَلاكُ جِبْرَائِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلى مَدِينَةٍ في الجَلِيلِ ٱسْمُهَا النَّاصِرَة،
إِلى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاودَ ٱسْمُهُ يُوسُف، وٱسْمُ العَذْرَاءِ مَرْيَم.
ولَمَّا دَخَلَ المَلاكُ إِلَيْهَا قَال: «أَلسَّلامُ عَلَيْكِ، يَا مَمْلُوءَةً نِعْمَة، أَلرَّبُّ مَعَكِ!».
فَٱضْطَربَتْ مَرْيَمُ لِكَلامِهِ، وأَخَذَتْ تُفَكِّرُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا السَّلام!
فقَالَ لَهَا المَلاك: «لا تَخَافِي، يَا مَرْيَم، لأَنَّكِ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ الله.
وهَا أَنْتِ تَحْمِلينَ، وتَلِدِينَ ٱبْنًا، وتُسَمِّينَهُ يَسُوع.
وهُوَ يَكُونُ عَظِيمًا، وٱبْنَ العَليِّ يُدْعَى، ويُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ عَرْشَ دَاوُدَ أَبِيه،
فَيَمْلِكُ عَلى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلى الأَبَد، ولا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَة!».
فَقالَتْ مَرْيَمُ لِلمَلاك: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا، وأَنَا لا أَعْرِفُ رَجُلاً؟».
فأَجَابَ المَلاكُ وقالَ لَهَا: «أَلرُّوحُ القُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وقُدْرَةُ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، ولِذلِكَ فٱلقُدُّوسُ ٱلمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ٱبْنَ ٱلله!
وهَا إِنَّ إِلِيصَابَاتَ نَسِيبَتَكِ، قَدْ حَمَلَتْ هيَ أَيْضًا بٱبْنٍ في شَيْخُوخَتِها. وهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الَّتي تُدْعَى عَاقِرًا،
لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ٱللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيل!».
فقَالَتْ مَرْيَم: «هَا أَنا أَمَةُ الرَّبّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ!». وٱنْصَرَفَ مِنْ عِنْدِها المَلاك.
عِظَةٌ لِعِيدِ ٱلْبِشَارَة، ٱلْفِقْرَتَان ٧ – ٨
"أُرْسِلَ ٱلْمَلَاكُ جِبْرَائِيلُ إِلَى مَدِينَةٍ فِي ٱلْجَلِيلِ ٱسْمُهَا ٱلنَّاصِرَة". يَدْهَشُكُمْ أَنْ تَتَشَرَّفَ ٱلنَّاصِرَةُ، تِلْكَ ٱلْمَدِينَةُ ٱلصَّغِيرَة، بِرِسَالَةٍ مِنْ مَلِكٍ عَظِيمٍ، وَيَا لَهَا مِنْ رِسَالَة! لَكِنَّ كَنْزًا عَظِيمًا مَخْفِيٌّ فِي تِلْكَ ٱلْقَرْيَة: مَخْفِيٌّ عَنِ ٱلنَّاسِ، لَا عَنِ ٱللَّه. أَفَلَيْسَتْ مَرْيَمُ كَنْزَ ٱللَّه؟ حَيْثُمَا تَكُونُ، يَتْبَعُهَا قَلْبُ ٱللَّه. عَيْنَاهُ عَلَيْهَا، وَلَا يَكُفُّ نَظَرُهُ عَنْ أَمَتِهِ ٱلْوَضِيعَة.إِنْ كَانَ ٱبْنُ ٱللَّهِ ٱلْوَحِيدُ يَعْرِفُ ٱلسَّمَاء، فَهُوَ يَعْرِفُ ٱلنَّاصِرَةَ أَيْضًا. كَيْفَ لَا يَعْرِفُ وَطَنَهُ وَمِيرَاثَهُ؟ يَأْخُذُ ٱلسَّمَاءَ مِنْ أَبِيهِ، وَٱلنَّاصِرَةَ مِنْ أُمِّهِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي آنٍ وَاحِدٍ إِنَّهُ ٱبْنُ دَاوُدَ وَٱلرَّبّ. "لَا تَخَافِي يَا مَرْيَم، فَقَدْ نِلْتِ نِعْمَةً عِنْدَ ٱللَّه". وَأَيَّةُ نِعْمَة! نِعْمَةٌ مُمْتَلِئَةٌ وَفَرِيدَة... فَرِيدَةٌ بِقَدْرِ مَا هِيَ شَامِلَة. نِعْمَةٌ فَرِيدَة، لِأَنَّكِ وَحْدَكِ، يَا مَرْيَم، لَدَيْكِ ٱلْمِلْء؛ وَنِعْمَةٌ شَامِلَة، لِأَنَّ جَمِيعَ ٱلْمَخْلُوقَاتِ تَنَالُ نَصِيبًا مِنْ هٰذَا ٱلْمِلْء. "أَنْتِ مُبَارَكَةٌ فِي ٱلنِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ". لَكِ وَحْدَكِ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ، وَلٰكِنَّهَا، بِوَاسِطَتِكِ، تَصِلُ إِلَى نُفُوسِ ٱلْجَمِيع.فَبِكِ وَحْدَكِ أَفْنَىٰ هٰذَا ٱلْمَلِكُ ٱلْغَنِيُّ نَفْسَهُ، وَتَوَاضَعَ ذٰلِكَ ٱلْمَلِكُ ٱلْعَظِيم، وَصَارَ ذٰلِكَ ٱلْإِلٰهُ ٱلْلَامُتَنَاهِي صَغِيرًا. جَعَلَ نَفْسَهُ دُونَ ٱلْمَلَائِكَة، وَمَعَ أَنَّهُ إِلٰهٌ حَقٌّ وَٱبْنُ ٱللَّه، تَجَسَّدَ. وَلٰكِنْ لِأَيِّ غَايَة؟ لِكَيْ يُغْنِيَنَا جَمِيعًا بِفَقْرِهِ، وَيَرْفَعَنَا بِٱتِّضَاعِهِ، وَيُعَظِّمَنَا بِتَصَاغُرِهِ، وَيُوَحِّدَنَا بِٱللَّهِ بِتَأَنُّسِهِ، لِكَيْ نَصِيرَ مِنَ ٱلْآنِ فَصَاعِدًا رُوحًا وَاحِدًا مَعَهُ.
#شربل سكران بالله