قال نخلة شاكر كنعان سنة ١٩٥٠ :


تعود معرفتي بشربل إلى صيف ١٨٩٧ وكان عمري ٢٤ سنة. 

وكنّا في ذلك الوقت نقصد بعض الأصدقاء في كلّ صيف لزيارة جهة من جهات الجبل العالية.

ولم تكن هناك فنادق كبرى وطرقات مزفّتة وسيّارات.

فكنّا نقصد الجبال ركوباً على الخيل أو الدواب.

وصدف تلك السنة أن عاد صديقي شكري بك أرقش من باريس حاملاً شهادة الحقوق العليا.

فقررت أن نقوم برحلة إلى ميروبا لعند الشيخ بشارة الخازن.

ثمّ إنتقلنا جرداً إلى العاقورة واللقلوق.

وفي أثناء وجودنا في ذلك الجرد أردنا زيارة الحبيس الذي إشتهرت فضائله وقداسته في المنطقة.

فنَزلنا إلى العويني.

ومن جبل العويني إنتقلنا إلى محبسة القدّيسين بطرس وبولس.

فإسترحنا تحت السنديانة التي توزّع الناس أجزاءها للتبرّك منذ أيّام.

وبينما المكاري المرافق يحضّر لنا طعام الغداء من محمولنا إذا براهب طويل ضعيف يطلّ علينا من الحقل، وبيده منجل وضمّة من الأعشاب.

فسلّم علينا دون أن يرفع رأسه. 

فإستأذنّاه بالإستراحة للزيارة والغداء، فأذن بكلّ رحابة وسرور وأخذ يتولّى خدمتنا دون أن يجالسنا ويجلب لنا الماء والعنب. 

ودعوناه لمشاركتنا الطعام، فإعتذر برقّة وحياء، وتمتم : سبق الفضل، أكلت في الدير وأذكر من حديثه مع شكري بك وأجوبته على أسئلته بما يلي : الله خلقنا وهو يدبّرنا، الله قدير عا كلّ شيء، نحن بخير على غير إستحقاق، والله يكون معكم، ولمّا أطنبنا في وصف جمال المناظر المنبسطة أمام العين في الجبل والبحر! أجاب الحبيس : إنّها عطيّة من الله وهبه الله للبنانيّين، إنّ هذا الموقع عطيّة من السماء لنمجّد فيه إسم الله القدّوس، كلّ ما لدينا هو لله.

ولم يشأ أن يأخذ منّا هديّة أو تقدمة.

وكان الحبيس يستمع لحديث الأستاذ أرقش الذي أخذ يردّد على مسامعنا أعمال الحبساء والأتقياء في فرنسا، فقال شربل تعليقا عليها : إنّ فرنسا هي إبنة الكنيسة البكر.

وفي هذه الأثناء قرع جرس دير مار مارون للتبشير، فطلبت إلى الحبيس أن يتلو علينا تبشير العذراء، فردّد صلاة البشارة وأتبعها بطلبة العذراء وزيّاح مريم.

وكنّا خاشعين راكعين نردّد الصلاة وراءه وكان يرتّل بصوت خافت ورأسه تحت الإسكيم منحنٍ إلى الأرض وعيناه مغمّضتان كأنّه ملاك في صورة إنسان متنقّل بالروح إلى السماء. 

ساعة غادرنا المحبسة، وقف الحبيس بتواضع ورقّة غريبتين يشيّعنا بنظراته المتّجهة إلى ما وراء الفضاء، ويداه مشتبكتان على صدره يتمتم كلمات الله معكم.

وأذكر أنّ شكري لم يقطع ذكر الحبيس وكان يقول : إنّ هؤلاء الحبساء الأتقياء في رؤوس الجبال هم في طهرهم وصلاحهم سرّ وجود لبنان. 



#شربل سكران بألله