الأحد الخامس من الصوم الكبير : أحد شفاء المخلّع
عَادَ يَسُوعُ إِلى كَفَرْنَاحُوم. وسَمِعَ النَّاسُ أَنَّهُ في البَيْت.
فتَجَمَّعَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْهُم حَتَّى غَصَّ بِهِمِ المَكَان، ولَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لأَحَدٍ ولا عِنْدَ البَاب. وكانَ يُخَاطِبُهُم بِكَلِمَةِ الله.
فأَتَوْهُ بِمُخَلَّعٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَال.
وبِسَبَبِ الجَمْعِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الوُصُولَ بِهِ إِلى يَسُوع، فكَشَفُوا السَّقْفَ فَوْقَ يَسُوع، ونَبَشُوه، ودَلَّوا الفِرَاشَ الَّذي كانَ المُخَلَّعُ مَطْرُوحًا عَلَيْه.
ورَأَى يَسُوعُ إِيْمَانَهُم، فقَالَ لِلْمُخَلَّع: «يَا ٱبْني، مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك!».
وكانَ بَعْضُ الكَتَبَةِ جَالِسِينَ هُنَاكَ يُفَكِّرُونَ في قُلُوبِهِم:
لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا الرَّجُلُ هكَذَا؟ إِنَّهُ يُجَدِّف! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟.
وفي الحَالِ عَرَفَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُم يُفَكِّرُونَ هكَذَا في أَنْفُسِهِم فَقَالَ لَهُم: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا في قُلُوبِكُم؟
ما هُوَ الأَسْهَل؟ أَنْ يُقَالَ لِلْمُخَلَّع: مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك؟ أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَٱحْمِلْ فِرَاشَكَ وَٱمْشِ؟
ولِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ لٱبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا عَلَى الأَرْض»، قالَ لِلْمُخَلَّع:
لَكَ أَقُول: قُم، إِحْمِلْ فِرَاشَكَ، وٱذْهَبْ إِلى بَيْتِكَ!.
فقَامَ في الحَالِ وحَمَلَ فِرَاشَهُ، وخَرَجَ أَمامَ الجَمِيع، حَتَّى دَهِشُوا كُلُّهُم ومَجَّدُوا اللهَ قَائِلين: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا البَتَّة!».
عِظَاتٌ عَنْ إِنجِيلِ ٱلْقِدِّيسِ مَتَّى: ٱلْعِظَةُ ٢٩
قَالَ ٱلْكَتَبَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: "إِنَّهُ لَيُجَدِّفُ. فَمَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ ٱلْخَطَايَا إِلَّا ٱللَّهُ وَحْدَهُ؟" فَمَا كَانَ جَوَابُ ٱلْمُخَلِّصِ؟ أَٱعْتَرَضَ عَلَىٰ هٰذَا ٱلْكَلَام؟ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لِلَّهِ لَقَالَ: "لِمَاذَا تَنْسِبُونَ إِلَيَّ هٰذَا ٱلِٱدِّعَاء؟" لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِمَّا يُشْبِهُ ذٰلِكَ، بَلْ عَلَىٰ ٱلْعَكْسِ أَكَّدَ مَا قَالَهُ أَعْدَاؤُهُ. فَٱلْحَقِيقَةُ لَا يُثْبِتُهَا هُوَ وَحْدَهُ، بَلْ يَشْهَدُ لَهَا ٱلْآخَرُونَ أَيْضًا، وَلَيْسَ فَقَطْ ٱلْأَصْدِقَاءُ بَلِ ٱلْأَعْدَاءُ أَيْضًا. فَقَدْ أَظْهَرَ مُعَلِّمُنَا قُدْرَتَهُ مِنْ خِلَالِ أَصْدِقَائِهِ عِنْدَمَا قَالَ لِلْأَبْرَصِ: "قَدْ شِئْتُ فَٱبْرَأ" (مَر ١: ٤١)، وَلِقَائِدِ ٱلْمِئَةِ: "لَمْ أَجِدْ مِثْلَ هٰذَا ٱلْإِيمَانِ فِي أَحَدٍ مِنْ إِسْرَائِيل" (مَت ٨: ١٠). وَهَا هُوَ ٱلْآنَ يَجْعَلُ مِنْ أَعْدَائِهِ شُهُودًا…وَهُنَا شَهَادَةٌ أُخْرَىٰ عَلَىٰ أُلُوهِيَّةِ ٱلرَّبِّ يَسُوع، إِذْ يَظْهَرُ فِيهَا تَسَاوِيهِ مَعَ ٱلْآبِ. فَلَيْسَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ قَادِرًا عَلَىٰ غُفْرَانِ ٱلْخَطَايَا فَحَسْب، بَلْ هُوَ وَحْدَهُ ٱلَّذِي يَنْفُذُ إِلَىٰ خَفَايَا ٱلْقُلُوب. وَقَدْ كُتِبَ: "فَعَلِمَ يَسُوعُ عِنْدَئِذٍ فِي سِرِّهِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذٰلِكَ فِي أَنْفُسِهِم، فَسَأَلَهُمْ: لِمَاذَا تَقُولُونَ هٰذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟" وَكَتَبَ ٱلنَّبِيُّ: "أَنْتَ وَحْدَكَ تَعْرِفُ قُلُوبَ بَنِي ٱلْبَشَر" (٢أَخ ٦: ٣٠)؛ "إِنَّكَ فَاحِصُ ٱلْقُلُوبِ وَٱلْكُلَىٰ أَيُّهَا ٱلْإِلَهُ ٱلْبَارّ" (مَز ٧: ١٠)؛ "إِنَّ ٱلْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى ٱلظَّوَاهِر، وَأَمَّا ٱلرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى ٱلْقَلْب" (١صَم ١٦: ٧). وَفِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ أَعْطَى ٱلرَّبُّ بُرْهَانًا جَدِيدًا عَلَىٰ وَدَاعَةِ قَلْبِهِ حِينَ قَالَ: "لِمَاذَا تَقُولُونَ هٰذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟"…"مَا ٱلَّذِي يَبْدُو لَكُمْ أَسْهَل: شِفَاءُ جَسَدٍ مَرِيضٍ أَمْ غُفْرَانُ خَطَايَا ٱلنَّفْس؟ ٱلنَّفْسُ أَسْمَىٰ، وَأَمْرَاضُهَا أَشَدُّ عُسْرًا فِي ٱلشِّفَاءِ. لَكِنْ لِأَنَّ ذٰلِكَ ٱلشِّفَاءَ غَيْرُ مَرْئِيّ، فَإِنِّي سَأُجْرِي أَمَامَ أَعْيُنِكُمْ شِفَاءً مَرْئِيًّا، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ أَهَمِّيَّة". ثُمَّ أَنْهَضَ ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱلْمُخَلَّعَ وَأَرْسَلَهُ إِلَىٰ بَيْتِهِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: بِشِفَائِكَ أَرَدْتُ أَنْ أَشْفِيَ هٰؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ يَبْدُونَ أَصِحَّاءَ وَلٰكِنَّهُمْ فِي ٱلْحَقِيقَةِ مَرْضَى ٱلنَّفْس. وَبِمَا أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ ٱلشِّفَاء، فَٱرْجِعْ إِلَىٰ بَيْتِكَ؛ فَهُنَاكَ عَلَىٰ ٱلْأَقَلِّ سَيُعْطِي شِفَاؤُكَ ثِمَارًا.
#شربل سكران بالله