الأحد الثاني عشر من زمن العنصرة: إيمان المرأة الكنعانيّة
إنْصَرَفَ يَسُوعُ إِلى نَواحِي صُورَ وصَيْدا،
وإِذَا بِٱمْرَأَةٍ كَنْعَانِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ النَّواحي خَرَجَتْ تَصْرُخُ وتَقُول: «إِرْحَمْني، يَا رَبّ، يَا ٱبْنَ دَاوُد! إِنَّ ٱبْنَتِي بِهَا شَيْطَانٌ يُعَذِِّبُهَا جِدًّا».
فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَة. ودَنَا تَلامِيذُهُ فَأَخَذُوا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ قَائِلين: «إِصْرِفْهَا، فَإِنَّهَا تَصْرُخُ في إِثْرِنَا!».
فَأَجَابَ وقَال: «لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيل».
أَمَّا هِيَ فَأَتَتْ وسَجَدَتْ لَهُ وقَالَتْ: «سَاعِدْنِي، يَا رَبّ!».
فَأَجَابَ وقَال: «لا يَحْسُنُ أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِين، ويُلْقَى إِلى جِرَاءِ الكِلاب!».
فقَالَتْ: «نَعَم، يَا رَبّ! وجِرَاءُ الكِلابِ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الفُتَاتِ المُتَسَاقِطِ عَنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا».
حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهَا: «أيَّتُهَا ٱلمَرْأَة، عَظِيْمٌ إِيْمَانُكِ! فَلْيَكُنْ لَكِ كَمَا تُريدِين». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ شُفِيَتِ ٱبْنَتُهَا.
عِظَةٌ فِي قُدَّاسٍ بِمُنَاسَبَةِ ٱلْبَدْءِ ٱلرَّسْمِيِّ لِخِدْمَتِهِ ٱلرَّسُولِيَّةِ كَأُسْقُفٍ لِرُومَا (٠٧ / ٠٤ / ٢٠١٣)
إِخْوَتِي وَأَخَوَاتِي، دَعُونَا لَا نَفْقِدْ أَبَدًا ٱلثِّقَةَ بِرَحْمَةِ ٱللَّهِ ٱلصَّبُورَةِ! لِنَتَذَكَّرْ تِلْمِيذَيْ عَمَّاوُس: وَجْهَانِ حَزِينَانِ، وَخُطًى عَبَثِيَّةٌ، وَغِيَابٌ لِلرَّجَاءِ. لٰكِنَّ ٱلرَّبَّ يَسُوعَ لَمْ يُهْمِلْهُمَا: سَارَ مَعَهُمَا عَلَى ٱلطَّرِيقِ، وَلَيْسَ ذٰلِكَ فَقَطْ! بَلْ شَرَحَ لَهُمَا، بِصَبْرٍ، ٱلْكُتُبَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْهُ، وَمَكَثَ مَعَهُمَا لِيَتَقَاسَمَ ٱلطَّعَامَ (رَاجِع لو ٢٤: ١٣ وَمَا يَلِيهَا). هٰذَا هُوَ أُسْلُوبُ ٱللَّهِ: فَهُوَ لَا يَنْفَدُ صَبْرُهُ كَمَا يَنْفَدُ صَبْرُنَا نَحْنُ، إِذْ نُرِيدُ غَالِبًا كُلَّ شَيْءٍ وَفَوْرًا، حَتَّىٰ فِي تَعَامُلِنَا مَعَ ٱلْأَشْخَاصِ. إِنَّ ٱللَّهَ صَبُورٌ مَعَنَا لِأَنَّهُ يُحِبُّنَا، وَمَنْ يُحِبُّ يَتَفَهَّمُ، وَيَرْجُو، وَيَثِقُ، وَلَا يُهْمِلُ، وَلَا يَقْطَعُ ٱلْجُسُورَ، وَيَعْرِفُ أَنْ يَغْفِرَ. لِنَتَذَكَّرْ هٰذَا فِي حَيَاتِنَا ٱلْمَسِيحِيَّةِ: إِنَّ ٱللَّهَ يَنْتَظِرُنَا دَائِمًا، حَتَّىٰ عِنْدَمَا نَبْتَعِدُ عَنْهُ! فَهُوَ لَيْسَ بَعِيدًا أَبَدًا، وَإِنْ عُدْنَا إِلَيْهِ، فَهُوَ دَائِمًا مُسْتَعِدٌّ لِٱحْتِضَانِنَا.إِنَّ إِعَادَةَ قِرَاءَةِ مَثَلِ ٱلْآبِ ٱلرَّحِيمِ (رَاجِع لو ١٥: ١١ وَمَا يَلِيهَا؛ ٱلِٱبْنُ ٱلضَّالُّ) تَتْرُكُ فِيَّ دَائِمًا أَثَرًا عَمِيقًا، لِأَنَّهَا تَمْنَحُنِي دَائِمًا رَجَاءً عَظِيمًا. فَكِّرُوا فِي ذٰلِكَ ٱلِٱبْنِ ٱلْأَصْغَرِ ٱلَّذِي كَانَ يَحْيَا فِي بَيْتِ أَبِيهِ، وَكَانَ مَحْبُوبًا؛ وَمَعَ ذٰلِكَ أَرَادَ نَصِيبَهُ مِنَ ٱلْمِيرَاثِ، فَذَهَبَ بَعِيدًا، وَأَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَبَلَغَ أَقْصَىٰ دَرَجَاتِ ٱلِٱبْتِعَادِ عَنْ أَبِيهِ. وَعِنْدَمَا لَامَسَ ٱلْقَاعَ، شَعَرَ بِٱلْحَنِينِ إِلَىٰ دِفْءِ ٱلْبَيْتِ ٱلْأَبَوِيِّ، وَقَرَّرَ ٱلْعَوْدَةَ. وَٱلْأَبُ؟ هَلْ كَانَ قَدْ نَسِيَ ٱبْنَهُ؟ لَا، مُطْلَقًا. كَانَ هُنَاكَ، يَرَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَنْتَظِرُهُ كُلَّ يَوْمٍ وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ؛ فَقَدْ بَقِيَ دَائِمًا فِي قَلْبِهِ ٱبْنًا، حَتَّىٰ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَهُ... وَمَا إِنْ لَمَحَهُ مِنْ بَعِيدٍ، حَتَّىٰ رَكَضَ لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ بِحَنَانٍ، حَنَانِ ٱللَّهِ، مِنْ دُونِ أَنْ يَقُولَ لَهُ حَتَّىٰ كَلِمَةَ عِتَابٍ: إِنَّهُ قَدْ عَادَ! وَهٰذِهِ هِيَ فَرْحَةُ ٱلْأَبِ. فَفِي عِنَاقِ ٱبْنِهِ تَكْمُنُ فَرْحَتُهُ كُلُّهَا: لَقَدْ عَادَ! إِنَّ ٱللَّهَ يَنْتَظِرُنَا دَائِمًا، وَلَا يَتْعَبُ أَبَدًا. لَقَدْ أَظْهَرَ لَنَا ٱلرَّبُّ يَسُوعُ صَبْرَ ٱللَّهِ ٱلرَّحِيمَ هٰذَا، لِكَيْ نَسْتَعِيدَ دَائِمًا ٱلثِّقَةَ وَٱلرَّجَاءَ.
#شربل سكران بالله